معرض

المادة الثانية من الدسـتور .. التركى!!


 

 

تركيــــــا .. كلمة السر إلى النموذج السياسى الذى تطمح إليه تيارات سياسية مختلفة، يراودها ذات الحلم التركى، ولكنها تختلف على تفسيره من واقع مرجعياتها.

فبينما تحظى الحركة الإسلامية فى تركيا، وما قدمته من نموذج ناضج للإسلام السياسى، بإعجاب التيار الإسلامى فى مصر، والذى يسعى إلى استلهام التجربة التركية وهو يخطو أولى خطواته فى ظل نظام ديمقراطى حرّ.

فعلى الجانب الآخر يحظى النظام العالمانى فى تركيا بإعجاب التيار العالمانى فى مصر، الذى يسعى بدوره إلى استنساخ الدستور المدنى التركى، إلى الحد الذى عبر عنه أحدهم باقتراح ترجمته إلى العربية، ليكون دستورًا لمصر.

لهذا فالتجربة التركية كتجربة متميزة فى التاريخ الإسلامى، وفى تاريخ المنطقة، ينبغى أن تكون حاضرة فى الأذهان ونحن نُعيد صياغة وتشكيل النظام السياسى المصرى؛ وربما من الأجدر أن تكون نقطة انطلاقنا هى الدستور.

دستورًا مدنيًا .. كان هذا أحد الشروط الأربعة التى عُرفت بـشروط كرزون (رئيس الوفد الإنجليزي في مؤتمر لوزان) والتى اشترطتها الدول الغربية فى مقابل توقيعها على معاهدة لوزان يوليو1923 التى اعادت ترسيم الحدود التركية، وقادت إلى إعتراف دولى بجمهورية تركيا (التى أُعلنت فى اكتوبر من نفس العام) وريثًا للدولة العثمانية.

وفى عام 1924 صدر أول دستور جمهورى للدولة التركية، نص فى مادته الثانية على أن الدين الإسلامى هو الدين الرسمى للدولة، النص الذى وصفه الدكتور يحيى الجمل (فى مقال بعنوان: التجربة الدستورية التركية) بأنه «نص رمزى يشير إلى أن الإسلام دين الدولة الرسمى دون أن يعكس ذلك النص أى أثر دينى على مكونات الدولة وسلطاتها».

لهذا.. وفى ظل هذا الدستور الذى اكتفى بالإشارة إلى أن الإسلام هو الدين الرسمى للدولة، تم فى عام 1926 اعتماد القانون السويسري كأساس لقانون الأحوال المدنية التركي، بديلاً عن القانون المبنى على الشريعة الإسلامية الذى كان يعرف بـ “مجلة الأحكام العدلية”.

وبالمثل قدم القانون المدنى الصادر عام 1926 إلى دستور عام 1928 الذى اغفل ذكر نص المادة “الرمزية” التى تشير إلى كون الإسلام هو دين الدولة.

ثم كانت المحطة التالية بدستور 1937 الذى اعلن تركيا دولة عالمانية.

فإذا ما انتهينا إلى الدستور الحالى لتركيا، نجده يُكرّس وبكل إصرار للمرجعية الكمالية (نسبة إلى كمال أتاتورك)، بعد أن رفض بإصرار أشد (ومنذ أول صدور له) أن تكون المرجعية لدين الله!

فيُستفتح بالديباجة التالية:

«تماشيًا مع مفهوم القومية والإصلاحات والمبادئ التى ادخلها مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك الزعيم الخالد، والبطل منقطع النظير، فإن هذا الدستور يؤكد على بقاء الوطن والأمة التركية إلى الأبد وحدة واحدة لا تتجزأ …»

ومادته الثانية نصها كالتالى:

«الجمهورية التركية هى دولة ديمقراطية، عالمانية، يحكمها سيادة القانون، تضع فى اعتبارها مفاهيم السلم العام، والوحدة الوطنية والعدالة واحترام حقوق الإنسان الموافقة لقومية أتاتورك، واستنادًا لما جاء فى الديباجة»

وهكذا تُلخص المادة الثانية من الدستور التركى بكلمات قليلة تاريخ صراع طويل بين الهوية الإسلامية لتركيا، وبين الرغبات الجامحة إلى التغريب وفرض النظم العالمانية، التى تبناها أتاتورك، ودعمها حزب الشعب الجمهورى الذى انشأه عام 1923.

يقول د. يحيى الجمل عن برنامج حزب الشعب الجمهورى:

«وقد بدأت بوادر “العالمانية” تظهر فى أدبيات الحزب عندما أعلن البرنامج أن الحزب يريد أن تقوم قوانين الدولة على أساس ما يقرره العلم ويتفق مع أصول الحضارة الحديثة ومقتضياتها، وهو يعد الدين أمراً وجدانياً له حق الصون والحماية من كل تدخل ما دام يمارس فى نطاق القانون.»

والجملة الأخيرة ينبغى أن نتوقف عندها طويلاً.. فهى تلخص لنا صدام العالمانية بالإسلام كفكر وكتطبيق.

فالعالمانية كفكر يعد الدين أمرًا وجدانيًا .. تتعارض مع العقيدة الإسلامية التى تعد الدين شريعة ومنهج حياة.

وكتطبيق قطع على نفسه صون وحماية الدين من كل تدخل ما دام يمارس فى نطاق القانون، يتعارض مع واقع حكم حزب الشعب الذى حكم تركيا فى الحقبة “الكمالية”، التى تُطلق على فترة حكم كمال أتاتورك (1923-1938)، ومن بعده خَلَفه عصمت إينونو (1938 – 1950)، حيث تحول القانون إلى سيف مسلط على الدين، وعمد النظام العالمانى خلالها إلى تتبع كل أركان الدين وشرائعه وشعائره ورموزه، فحاربها تحت مظلة القانون.

واستهلت الدولة الجديدة عملها بإلغاء الخلافة الإسلامية (20 رجب 1342 هـ – 3 مارس 1924م)، وفى أعقاب ذلك اصدرت قانون توحيد التعليم، فأغلقت المدارس الدينية، كما ألغت وكالة الأوقاف الشرعية، بهذا لم تكن العالمانية فى الواقع هى فصل للدين عن الدولة، وإنما إدارة الدين عن طريق الدولة.

وشرع أتاتورك فى استهداف هوية الدولة بكل مظاهرها حتى الملبس، فقاد ثورة على الأزياء التركية بدأت عام 1925 بإصدار قانون بمنع ارتداء الطربوش واستبداله بالقبعة، وإذا كان صدور مثل هذا القانون أمر يدعو إلى الدهشة والعجب، فإن ما يُثيرهما اكثر هو ما صاحب تطبيقه من حملات قمع وتنكيل نالت الممتنعين عن تنفيذه.

وحتى لا تقف المدنية عند حدود الرأس فقط، فقد اصدر فى العام التالى 1926 قانون “القيافة” الذى يفرض ارتداء الملابس الغربية، على العاملين الرسميين بدواوين الدولة، والمدرسة والجامعة، وهو نفس القانون الذي بموجبه تم إسقاط العضوية البرلمانية عن النائبة المنتخبة المحجبة “مروة قاوقجي” عام 1999.

ولقطع كل صلة تربط تركيا بالإسلام والعرب، قرر كمال أتاتورك كتابة الألفاظ التركية بالحروف اللاتينية بدلاً من الحروف العربية، وأُصدر بذلك قانونًا عُرف بقانون الحروف اللاتينية أو القانون رقم 1353 فى نوفمبر من عام 1928، حُرم بموجبه استعمال الحرف العربى، كما شُكلت لجان مهمتها تنقية اللغة التركية مما بها من ألفاظ عربية.

وكخطوة تالية .. فى 22 من رمضان سنة 1350 هـ الموافق 30 ديسمبر عام 1932 رَفع مؤذن مسجد “آيا صوفيا” الأذان باللغة التركية، مما مهد إلى صدور قانون الأذان عام 1934 بأمر من أتاتورك، يُجب رفع الأذان باللغة التركية، ويُعد المخالف لهذا القانون خارجًا عن الدولة وقوانينها، يُعاقب بالسجن مدة ستة أشهر.

فتح هذا الباب إلى كتابة القرءان الكريم باللغة التركية، وتلاوة الصلاة بها ايضًا!

بل وتعقبت السلطات كل من سعى إلى تعليم القرءان أو تعلمه، حتى إذا ما ضُبط متلبسًا بجرمه! أُحيل إلى المحاكمة بتهمة مخالفة قانون الحروف اللاتينية!

وفى عام 1935 جُعل يوم الأحد عطلة الإسبوع بدلاً من الجمعة، فتوجب على موظفى الدولة الذهاب إلى أعمالهم، والحرمان من أداء صلاة الجمعة.

أما المساجد فقد شهدت أسوأ الممارسات فى هذه الحقبة، فبعضها قد تعرض للإغلاق، وبعضها تحول إلى مراكز لحزب الشعب، وبعضها تم تأجيره للبنوك والشركات، والأكثر من ذلك تحول بعضها بتأييد من السلطات إلى أماكن لتقديم الخمور ولعب الميسر.

حتى أكبر المساجد وأشهرها لم تسلم من هذا العبث، فمسجد “آيا صوفيا” تحول إلى مُتحف، ومسجد “محمد الفاتح” إلى مستودع، أما جامع “السلطان أحمد” فقد استُخدم أثناء الحرب العالمية الثانية كثكنات للجيش.

أما القانون المدنى الذى صدر عام 1926، فقد عارض أحكام الشريعة فيما يلى:

الزواج .. اصبح مدنيًا، بما يعنى: إلغاء الولى والصداق، وسقوط اعتبار الديانة عند الزواج، بما يُبيح زواج المسلمة من غير المسلم، كما منع تعدد الزوجات (فى الوقت الذى لا يجرم فيه الزنا!!).

الطلاق .. لم يعد في مقدور الرجل أن يطلق زوجته، ولا أن يهبها عصمتها لتطليق نفسها عندما تشاء، بل اصبح ذلك حكمًا قضائيًا تصدره المحكمة المختصة، التى يجوز للطرفين (الزوج والزوجة) اللجوء إليها بدعوى الطلاق، ولها وحدها أن تقرر ذلك إذا ما اقتنعت بأسباب الدعوى.

الميراث .. تم تغيير أحكامه الشرعية بحيث ساوى بين الذكر والأنثى (بزعم المساواة بين الجنسين، عاجزًا عن إدراك الحكمة الشرعية من وراء نِسب توزيع الأنصبة فى الميراث، والتى قد يزيد بموجبها نصيب الأنثى عن نصيب الذكر فى حالات كثيرة)، كما ألغى نظام الإرث بالتعصيب (القرابة من جهة الأب)، والإرث بالقرابة البعيدة.

ويجدر بنا هنا أن نشير إلى أن هذا القانون لم يكن سقف آمال منظمات المرأة، ودعاة المساواة، وإنما هو خطوة على الطريق تبعتها خطوات، كان آخرها التعديل الذى أقره البرلمان التركى فى نوفمبر 2001، والذى عمد إلى محو النص المشين (من وجهة نظر هذه المنظمات) الذى ينص على أن: “الرجل هو رب الأسرة”، كما جعل أيضًا كل الممتلكات المكتسبة أثناء الزواج ملكا للزوجين، ويتم تقاسمها مناصفة بين الزوجين عند الانفصال، في حين كان القانون السابق ينص على أن ملكيتها تؤول لمن تم تسجيلها بإسمه، كما اصبح من حق الزوج أيضًا الحصول على نفقة فى حال الطلاق.

 كان هذا هو حصاد تجربة الحكم العالمانى لتركيا المسلمة فى الحقبة الكمالية، وما استتبعه تجاهل المادة الثانية من الدستور التركى لهوية الأمة ومرجعيتها الدينية، فكان ذلك انكارًا لها اسبغ الشرعية الدستورية على كل القوانين التى تجتث الهوية وتتعارض مع الدين.

ويبدو واضحًا من التجربة ذاتها أن الحكم العالمانى الذى يوصف فى الدول الغربية بأنه حكم لا دينى، فإنه فى الدول الإسلامية حكم مناهض للدين ومعادى له، هذه حقيقة لا يمكن انكارها، تفرضها طبيعة الدين الإسلام الذى يتجاوز حدود “الوجدان” التى حددتها العالمانية للدين، بما يفرض صدامًا حتميًا بينهما.


 —————————————————–

(1) تطور الأوضاع الثقافية فى تركيا – د. سهيل صابان
(2) الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط – د. على محمد الصلابى
(3) مقال د. يحيى الجمل: “التجربة الدستورية التركية 1-2″- بجريدة المصرى اليوم 27-9-2010

نُشر فى صحيفة فجر الحرية 25 يناير

About these ads